ما الذي تعلَّمتُه من طلَّابي أكثر مما علَّمتُهم
في كلِّ فصل أُدرِّسه أدخل وأنا أحمل خطَّة درس. وأخرج وأنا أحمل شيئًا لم يكن في الخطَّة.
هذا ما لا يُدرَّس في كليَّات التربية — أنَّ طلَّابك سيُعلِّمونك أكثر مما تُعلِّمهم. ليس في القواعد والمفردات — بل في الإرادة والمعنى والإنسان.
كان من أمريكا اللاتينية — برازيليُّ اللغة والروح. وحين جلس في فصلي لأوَّل مرَّة كان واضحًا أنَّ العربية ستكون تحدِّيًا حقيقيًّا. الحروف الحلقية التي لا وجود لها في البرتغالية، والنظام الصوتي المختلف كليًّا، والكتابة من اليمين لليسار — كلُّ هذا كان عالمًا جديدًا عليه تمامًا.
وكان أكبر طلَّابي سنًّا. تخيَّلي أن تجلس بين طلَّاب أصغر منك وتُكافح مع حرف العين والغين بينما يمضون هم بخطًى أسرع.
لكنَّ شيئًا ما فيه كان مختلفًا.
لم أكن أعلم ما يجري خارج الفصل حتَّى بدأت صورٌ تصل إلى مجموعتنا — أرسلها أصدقاؤه في السكن. صورٌ بسيطة: هو جالسٌ على الأرض في غرفته، كتبه مفتوحة أمامه، والساعة تجاوزت منتصف الليل. يدرس وحده حين ينام الجميع.
لم يقل لي شيئًا عن هذا. لم يطلب منِّي إعفاءً أو تسهيلًا. فقط كان يأتي كلَّ يوم ويجلس في مكانه ويُحاول من جديد.
في نهاية الفصل نجح.
وحين جاء يُودِّعني قال جملةً لم أنسَها حتَّى اليوم:
«لا أريد أن أعود لبلدي فاشلًا — أنا ناجحٌ في عملي ودراستي الأخرى، ولا أحتمل أن تكون العربية استثناءً».
وقفتُ أمامه وفي قلبي شيءٌ يشبه الحزن والإعجاب معًا. حزنٌ على كلِّ تلك الليالي التي قضاها على الأرض وحيدًا يُكافح — وإعجابٌ بإنسان يحمل هذا الكبرياء الهادئ الذي لا يُعلن عن نفسه بل يُثبته بالعمل.
مرَّت سنوات.
وذات يوم دعاني لحفل تخرُّجه — كان قد حصل على الماجستير في تخصُّص آخر. وحين وقف أمام أمِّه التي جاءت من البرازيل لتشهد نجاحه، أشار إليَّ وقال لها:
«هذه أمِّي في قطر — كانت تُساندني دائمًا».
لم أستطع أن أتكلَّم.
لأنَّني في تلك اللحظة أدركتُ أنَّني لم أُعلِّمه العربية فقط — كنتُ شاهدةً على إرادة إنسان رفض أن يستسلم. وهو علَّمني شيئًا لا يوجد في أي منهج: أنَّ أعمق دوافع التعلُّم لا تأتي من الشهادة — تأتي من الكرامة.
في أكثر من عشرين عامًا من التدريس جلس أمامي طلَّابٌ من خمس قارَّات. وكلُّ واحد منهم حمل معه درسًا لم أتوقَّعه.
الطالب الكوري علَّمني أنَّ الصمت ليس فشلًا — هو تأهُّب.
الطالبة الأفريقية علَّمَتني أنَّ الثقة تُبنى بالتراكيب قبل الكلمات.
والبرازيلي علَّمني أنَّ الإرادة الحقيقية لا تُعلن عن نفسها — تجلس على الأرض في منتصف الليل وتدرس.
يقول الفيلسوف الصيني كونفوشيوس: «مَن يُعلِّم يتعلَّم مرَّتين».
أنا أقول: من يُعلِّم لغةً يتعلَّم شيئًا أعمق من اللغة — يتعلَّم الإنسان.
وهذا ما لا تُعطيك إيَّاه أي شهادة في العالم.
د. عبير حيدر
محاضرة في اللغة العربية لغير الناطقين بها — جامعة قطر
مؤلفة كتاب «ملح الكلام» في الأمثال الشعبية العربية







