Image

الفاشية المزدوجة ومأزق العقل المستقل: هندسة النظم الاجتماعية كطريق للتعافي

الفاشية المزدوجة ومأزق العقل المستقل: هندسة النظم الاجتماعية كطريق للتعافي

تمر المجتمعات في مراحل تحولاتها الدقيقة بحالة من الخلل الهيكلي الذي يفرز استقطاباً حاداً، حيث تتراجع مساحات النقاش العقلاني لصالح أصوات أحادية تدعي امتلاك الحقيقة المطلقة. في هذا السياق، ينزلق المجتمع نحو “فاشية مزدوجة” تضع الفرد، وتحديداً صاحب الرأي المستقل، بين فكي كماشة: التكفير او التخوين. هذا الواقع المأزوم ليس مجرد نتاج سياسات فوقية، بل هو في جوهره انعكاس لفراغ مؤسسي ومجتمعي تُرك طويلاً لتتمدد فيه تيارات متشددة؛ كالسلفية، أو فكر الإخوان المسلمين الذي يعمل بآليات تنظيمية مغلقة أقرب إلى الهياكل السرية والماسونية في ولاءاتها.

عندما تُترك الساحة الاجتماعية خالية من تصميم هيكلي وثقافي متكامل، فإنها لا تبقى فارغة، بل تمتلئ عشوائياً بالمدخلات الأكثر تنظيماً والأشد إقصاءً للآخر.

اختطاف المجتمع: التأسيس للفاشية الدينية

على مدى عقود، استغلت الجماعات المتأسلمة، وعلى رأسها تنظيم الإخوان، الفجوات في النظام المجتمعي لتتغلغل في مفاصله. هذا التنظيم، المعتمد على هيكلية سرية وولاء مطلق يتجاوز فكرة الأوطان، عمل على برمجة وعي موازٍ. لقد أسسوا لما يُعرف بـ “الفاشية الدينية”، حيث احتكروا التحدث باسم الدين، وحولوا رؤيتهم السياسية الضيقة إلى مقدس لا يُمس.

في هذا المناخ الذي عززته الأفكار السلفية المتشددة، تم اختزال الدين من منظومة قيمية واسعة تتسع للتسامح والرحمة، إلى مجرد أكواد وقوانين شكلية صارمة. النتيجة الحتمية لهذا الخلل هي أن أي عقل يحاول طرح مقاربة مختلفة أو ينتقد توظيف الدين في السياسة، يصطدم بحائط صد من محاكم التفتيش المجتمعية. لم تعد الفكرة تقابل بالفكرة، بل يتم إقصاء المخالف فوراً ووصمه كـ “كافر وملحد”، في عملية اغتيال معنوي تهدف إلى عزله عن شبكته الاجتماعية وحاضنته الشعبية.

ارتدادات التطرف: ولادة الفاشية المجتمعية (تهمة التخوين)

إن الخلل لا يتوقف عند التكفير، بل إن تغول هذه الهياكل المتطرفة أدى إلى توليد تغذية راجعة (Feedback) مجتمعية عكسية اتسمت بالحدة المفرطة. ففي مواجهة هذا التنظيم “الماسوني” الذي أثبتت التجربة أنه يضع مصلحة الجماعة فوق مصلحة الدولة، تولدت حالة من الارتياب الشديد والتحفز داخل نسيج المجتمع.

هذا الارتياب، وإن كان مبرراً في بدايته، تحول تدريجياً في ظل غياب الوعي السياسي الناضج إلى حالة من “الفاشية الأمنية المجتمعية”. أصبح المجتمع يمارس رقابة خانقة على مكوناته. وبسبب صدمة الفوضى التي سببتها تلك الجماعات، صار أي نقد موضوعي للسياسات العامة أو محاولة لتقويم الأداء يُنظر إليه بعين الشك المفرط.

هنا تكتمل الكماشة؛ فالمواطن الذي يفلت من تهمة “الكفر” التي يطلقها المتطرفون، يقع في فخ تهمة “الخائن والعميل” التي يطلقها مجتمع محتقن ومذعور. وتلاشت القدرة على التمييز بين المعارض الوطني الذي يسعى للإصلاح من داخل بنية المجتمع، وبين المتآمر الذي يسعى لهدمه.

مأزق العقل المستقل والمواطن البسيط

في ظل هذا الاستقطاب بين فكر ظلامي يحتكر الدين ويكفر مخالفيه، وحالة مجتمعية متحفزة تخون كل من يغرد خارج السرب، يجد العقل المستقل نفسه عالقاً في مأزق تاريخي؛ لقد اختفت المساحة الرمادية التي تتيح التفكير النقدي الهادئ.

أصبح المعارض الوطني، الرافض للانضواء تحت لواء الجماعات المتطرفة (فيرمونه بالكفر والإلحاد)، والرافض في الوقت ذاته للتماهي التام مع كل قرار سائد (فيرمونه بالخيانة والعمالة)، كمن يسير في حقل ألغام. هذا الضغط المزدوج يدفع بالكفاءات والعقول النيرة إما إلى الانسحاب والصمت المؤلم، أو الانضمام الاضطراري لأحد المعسكرين حمايةً للذات، وهو ما يمثل خسارة فادحة لقوة المجتمع الناعمة والفكرية.

هندسة النظم الاجتماعية: إعادة تصميم الحل للتعافي المجتمعي

إن ما نعيشه من فاشية مزدوجة ليس قدراً محتوماً، بل هو عَرَض لغياب التصميم المجتمعي السليم وتُرك الساحة عقوداً للتيارات التي اختطفت الدين والعقل. للخروج من هذه الثنائية القاتلة، لا يكفي الاعتماد على ردود الأفعال، بل يتطلب الأمر تدخلاً منهجياً عبر تطبيق “هندسة النظم الاجتماعية” (Social Systems Engineering).

تعتمد هذه المقاربة على التعامل مع المجتمع كمنظومة ديناميكية معقدة، تتطلب إعادة هيكلة تضمن التوازن وتمنع الانهيار، وذلك من خلال:

– إعادة تصميم المدخلات الثقافية: تقوية دور وزارة الثقافة ومؤسسات التنوير لضخ مدخلات معرفية تعتمد على التفكير النقدي، مما يرفع من مناعة النظام المجتمعي ضد الأفكار العشوائية أو المنغلقة.

– ضبط مسارات التغذية الراجعة (Regulating Feedback Loops): مأسسة الاختلاف وجعله جزءاً من ديناميكية المجتمع. يجب أن تُفهم المعارضة الوطنية البناءة كآلية تقويم ذاتي تُصحح مسار المجتمع وتكتشف الأخطاء مبكراً، وليست تهديداً يجب استئصاله بالتخوين.

– تفكيك الهياكل المغلقة: تحييد تأثير التنظيمات السرية ليس فقط أمنياً، بل عبر هندسة شبكات اجتماعية بديلة وشفافة تستوعب طاقات الأفراد وتوفر لهم الانتماء الآمن داخل الإطار الوطني.

– ترسيخ “المواطنة” كنظام تشغيل أساسي (Operating System): إعادة بناء الوعي المجتمعي على أساس المواطنة الشاملة كقاعدة تنظم التفاعلات بين جميع المكونات.

بتطبيق أدوات هندسة النظم الاجتماعية، يمكننا استعادة عقولنا من براثن التكفيريين والمتشددين، وإعادة التوازن الديناميكي لنتمكن من بناء مجتمع متماسك، يثق في نفسه وفي مؤسساته، ويدرك أن الاختلاف الفكري هو محرك التطور وليس مؤامرة.

#هندسة_النظم_الاجتماعية