عادت أوكرانيا إلى صدارة المشهد الدولي بعد أشهر بدت فيها وكأنها تراجعت عن سلّم الأولويات الغربية لصالح ملفات أخرى. فبين تحذيرات من تصعيد عسكري وشيك، وعودة الملف إلى أجندة القمم الكبرى، يجد البلد نفسه مجدداً في قلب التوازنات العالمية. هذا المقال يقرأ المشهد الأوكراني الراهن وأبعاده الميدانية والدبلوماسية.
تحذير من هجوم واسع
على الجبهة الميدانية، حذّر الرئيس الأوكراني من أن القوات الروسية تستعد لشن هجوم وشيك واسع النطاق، داعياً السكان إلى توخي الحذر الشديد والانتباه إلى تحذيرات الغارات الجوية. وتزامن ذلك مع قصف استهدف مدينة زابوريجيا في جنوب شرق البلاد بقنابل انزلاقية، ما أسفر عن مقتل أربعة أشخاص وإصابة ستة آخرين في تسع غارات، مع احتمال وجود محاصرين تحت أنقاض المباني.
في المقابل، أعلنت كييف أنها لم تكتفِ بالدفاع، إذ قصفت طائرات مسيّرة أوكرانية مصفاة نفط في منطقة تيومين بغرب سيبيريا، على بعد أكثر من ألفي كيلومتر من الحدود، في رسالة على قدرتها على الوصول إلى العمق الروسي.
زيلينسكي بين الميدان والدبلوماسية
في خضم هذه التطورات، يتحرّك فولوديمير زيلينسكي على أكثر من جبهة في آن واحد. فإلى جانب إدارته للمعركة العسكرية، يسعى إلى إعادة إشراك واشنطن في دعم بلاده، مستفيداً من حضوره قمة مجموعة السبع بدعوة من الرئيس الفرنسي. لكن مساره لم يخلُ من توترات مع الحلفاء، إذ أعلنت بولندا سحب أرفع وسام وطني منه على خلفية خلاف تاريخي حول تسمية إحدى وحدات الجيش، وهو قرار وصفته كييف بأنه «مهين» و«خطأ استراتيجي»، معتبرةً أن «موسكو وحدها المستفيدة منه».
القمة تعيد الملف إلى الواجهة
بعد أشهر هيمنت فيها الأزمة الإيرانية على اهتمام واشنطن، أعادت قمة مجموعة السبع الملف الأوكراني إلى الصدارة. فقد أيّد القادة، ومنهم الرئيس الأميركي، إعلاناً مشتركاً تعهّدوا فيه بتعزيز الدعم العسكري لكييف وتشديد العقوبات على موسكو. وأبرز ما تضمّنه الإعلان:
- زيادة توريد قدرات الدفاع الجوي والأنظمة الاعتراضية والقدرات بعيدة المدى.
- النظر في منح أوكرانيا تراخيص لزيادة إنتاجها العسكري.
- تلويح أميركي بإعادة فرض العقوبات على النفط الروسي بعد تعليقها موقتاً.
والتقى الرئيس الأميركي نظيره الأوكراني خلال القمة، معرباً عن استيائه من استمرار الحرب دون أن تلوح نهاية في الأفق، وذلك عقب مكالمة هاتفية مع الرئيس الروسي لم تُظهر مؤشرات تُذكر على اتفاق.
قراءة الخبراء
يرى المحلل الجيوسياسي ميشيل فياض أن الدعم الأميركي للبيان المشترك يمثّل «تحولاً دبلوماسياً ملحوظاً» بعد أشهر هيمنت عليها القضية الإيرانية، في إطار منطق «إعادة التوازن» للأولويات عقب تثبيت التهدئة مع طهران. لكنه يشدّد على أن الالتزام يبقى مشروطاً، إذ يصرّ ترامب على أن تتحمّل أوروبا العبء الأكبر.
أما الدكتور في العلاقات الدولية خالد العزي فيعتبر أن الملف الأوكراني لم يغب يوماً عن المباحثات الدولية، لأنه في صلب التوازنات، مشيراً إلى توافق غربي ضمني على عدم السماح لموسكو بفرض سيطرتها على أوكرانيا. ويضيف أن اقتراب الانتخابات النصفية يجعل ترامب بحاجة إلى إنجاز سياسي كبير، في مقدمته إنهاء الحرب، بما يدفعه إلى استعادة زمام المبادرة.
بُعد اقتصادي في المعادلة
لا تنفصل المعركة العسكرية عن البعد الاقتصادي الذي بات ورقة ضغط أساسية. فقد لوّح الرئيس الأميركي بإعادة فرض العقوبات على النفط الروسي بعد تعليقها موقتاً، في خطوة يرى محللون أنها تستهدف قطع أحد المصادر الرئيسية لتمويل المجهود الحربي الروسي. وتزامن ذلك مع استهداف أوكراني لمنشآت تكرير في العمق الروسي، ما يعكس سعي كييف إلى نقل كلفة الحرب إلى الداخل الروسي بدل أن تبقى محصورة في ساحاتها.
وفي خلفية هذا المشهد، يبرز ملف العضوية الأوروبية الذي يمنح أوكرانيا بُعداً استراتيجياً يتجاوز الميدان. فالاتحاد الأوروبي ماضٍ في مسار التفاوض بشأن انضمام كييف، التي تؤكد استعدادها لتنفيذ الشروط المطلوبة. وبذلك تتحوّل أوكرانيا إلى أكثر من جبهة عسكرية، لتصبح اختباراً لقدرة أوروبا على دمج دولة في طور الحرب ضمن مشروعها السياسي والاقتصادي، وهو ما يفسّر إصرار العواصم الأوروبية على إبقاء الملف حياً مهما تبدّلت أولويات واشنطن.
الكلفة الإنسانية لا تغيب
ولا يمكن إغفال الكلفة الإنسانية الباهظة التي يدفعها المدنيون في هذا الصراع المتطاول، من ضحايا ونازحين ودمار واسع للبنية التحتية. فخلف الحسابات الجيوسياسية الكبرى، هناك ملايين البشر الذين تتقاذفهم الجبهات، وهو بُعد يفرض نفسه على أي تسوية مقبلة تسعى إلى سلام حقيقي لا إلى مجرد تجميد مؤقت للنزاع يعيد إنتاج أسبابه لاحقاً.
في الختام
يتضح أن أوكرانيا باتت «أمراً واقعاً» في المعادلة الأوروبية، سواء بوصفها خط الدفاع الأول أو دولة مرشحة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. وبين تهديد التصعيد الميداني ومساعي التسوية، يبقى مستقبل الحرب رهيناً بقدرة الأطراف على تبادل المصالح والتنازلات. فبرأيك، هل تقترب هذه الحرب من نهايتها، أم أن جولة جديدة من التصعيد ما زالت في الأفق؟ شاركنا قراءتك.






